معلومات عن الفنان

حسن دهيميش “الساطور”

About the Artist — 5 Min Read

حسن دهيميش “الساطور”

ولد حسن محمود دهيميش في حي الشابي في بنغازي بليبيا عام 1955. أمضى السنوات العشرين الأولى من حياته في شرق ليبيا، ثم تتبع شغفه في السفر واستكشاف العالم. وصل إلى إنجلترا عام 1975 تحديدًا إلى مدينة بيرنلي بمقاطعة لانكشاير.

لم يمضِ حسن وقتًا طويلًا حتى كون شخصية الساطور – وهو الاسم المستعار الذي استخدمه لنشر رسومه الساخرة عن القذافي. وظلّت هذه الشخصية ترافقه على مر العقود. وخلال هذه المسيرة أصبح زوجًا وأبًا ومعلمًا. 

أطلع على تفاصيل رحلته هنا.

بنغازي – السنوات الأولى

ولد حسن محمود دهيميش في حي الشابي في بنغازي بليبيا عام 1955.

قبل أربع سنوات من ولادته، اصبحت ليبيا مملكة مستقلة بعد مئات السنين من الاستعمار.

لطالما كان يشار لشرق ليبيا حيث نشأ حسن باسم برقة، اشارة إلى اسم مدينة قورينا اليونانية القديمة، وهي المنطقة التي عانت الظلم، وكانت مسقط رأس الحركات المتمردة، بما في ذلك أسد الصحراء نفسه، عمر المختار، رمز المقاومة الليبية، والبطل الوطني لكثير ممن قاتلوا ضد الإيطاليين حتى وقت أسره وإعدامه في عام 1931.

عندما ولد حسن، كان الملك إدريس حاكمًا للبلاد. حينها تم نقل مقر السلطة المركزية في ليبيا من العاصمة الحالية طرابلس إلى مدينة طبرق الشرقية، التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وعلى بعد 100 ميل من الحدود المصرية. تم تعيين والد حسن، الشيخ محمود دهيميش مستشارًا دينيًا وإمامًا للملك، وبناءً على ذلك، نقل عائلته إلى مدينة طبرق لمدة عامين.

“كنت وبفضل والدي واعيا سياسيا منذ سن مبكرة. لقد لعب والدي دورًا أساسيًا في تشكيل أفكاري. لقد ورثت منه روح التمرّد والشجاعة في قول الحق والوقوف بجانب المستضعف”.

كان حسن في صغره يشاهد والده وهو يرسم الحمام على بلاط سطح منزلهم حيث تربي الأسرة الطيور. كان يرسم حمامة واحدة على كل بلاطة بينما يشرح طريقته في فعل ذلك.

تعرف حسن من خلال والده الشيخ محمود على أعمال الفنان الليبي الشهير محمد الزواوي. كانا يدرسان أسلوبه ويناقشان سخريته، وغالبًا ما كانا يضجان بالضحك، حينها لاحظ والده رغبتة في التعرف على الفن، فكان حريصًا على مشاركته أي شيء يتعلق بالرسم والسياسة، واضعًا الأسس لحياة حسن المستقبلية. والذي سرعان ما بدأ في رسم الكاريكاتور.

“أتذكر خطوبة أختي، التي كانت أيضًا أعز اصحابي. كنت مستئاً من ذلك، لذا بدأت في رسم كاريكاتير عنها على جدران منزلنا. لم أواجه أي مشكلة بسبب ذلك. أعتقد أن والدي لاحظ أنني أمتلك موهبة. وبعدها بدأت في رسم صور للقذافي في غرفتي. بعد ذلك بوقت قصير، عثر عليهم صهري وسلمهم لقوات الأمن المحلية. قلت له: “هل فقدت صوابك؟” كنت غاضبًا، لكنه قال أنهم ضحكوا عليهم أيضًا، لذلك لم يكن هنالك ما يدعو للقلق”.

اهتم حسن بالفن منذ صغره. لقد كان وسيلة للسيطرة على طبيعته المتمردة وفضوله.

“لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن الفن هو من يختارك، وليس العكس”.

كان يتجول في الشوارع والأسواق، مثل سوق الجريد وسوق الظلام، حيث يشم الروائح المنبعثة من المحلات ويُعجب بالأقمشة الملونة التي تباع حوله، والتي ستشكل جميعها دورًا في فنّه لاحقاً.

كنت أقضي بعض الوقت في اللعب على شاطئ الشابي. كنت أشاهد السفن وهي تختفي وراء الأفق. كنت دائما أتساءل وأقول أين ذهبت؟ كنت متلهفًا لمعرفة ما وراء البحر. كنت أتخيل مدنًا أجنبية وشعوبها. كانت فكرة السفر عالقة في ذهني منذ الطفولة. تخيلت نفسي أبني قاربًا وأُبحر بعيدًا. كانت الحياة المحفوفة بالخطر جزءًا مني بسبب البحر.

كان عليه مثل كل الشباب الليبي في أوائل السبعينيات، أداء الخدمة الوطنية. أكمل فترة خدمته دون أن يلفت الانتباه إليه ولم يحظ باهتمام كبير من الضباط والعرفاء. علق أحدهم أثناء تسريحه: “دهيميش، ماذا؟ أين كنت مختبئًا؟ تلك القدرة ستكون مفيدة خلال العقود القليلة القادمة. كان حسن على وشك مغادرة ليبيا إلى الأبد، وتحويل فرشاة رسمه إلى السلاح الأمثل للانشقاق الاجتماعي والسياسي.

من بنغازي إلى بيرنلي

في العام 1975، وفي سن التاسعة عشرة، وصل حسن إلى لندن دون نية مسبقة للإستقرار. كان، مثل الكثير ممن غادروا ليبيا في السبعينيات، يعتقد أن القذافي سيعزل عن الحكم قريبًا وأنه سيعود إلى دفء شمال إفريقيا. العيش في إنجلترا الباردة لم يكن ما خطط له – ولكن سرعان ما أصبحت البلاد مرتعه.

جاب حسن مهرجانات الريغي والمراقص، مستمتعًا بالحياة دون أن يمتلك كثيرًا من المال، بينما كان تجاهل كل الدعوات للعودة إلى لليبيا. وبينما كان ترحيله من بريطانيا حتميًا، وجد نفسه خلال مروره ببرادفورد بمقاطعة يوركشاير، يزور بشكل عفوي بلدة بيرنلي بمقاطعة لانكشاير.

“كنت في مقهى مع بعض الأصدقاء الليبيين حيث تعرفت على رجل يدعى سعد. سألته أين تسكن؟ فأجاب “بيرنلي”. لم أكن قد سمعت عن ذلك المكان مسبقًا، ولكن بعد أن أكّد لي أن هنالك كلية يمكنني الالتحاق بها، وضعت مسجلي وحقيبة ظهري في سيارته التي كانت من نوع موريس ماينور وغادرت لأجد نفسي قد عشت في بيرنلي لمدة 35 عامًا”.

لقد سافر من بنغازي إلى بيرنلي مرورًا بيوركشاير. كانت حياته أغرب من الخيال.

في بيرنلي التقى بكارين، الفتاة التي تزوجها عام 1979. ولدت كارين وترعرعت في برايرفيلد، وهي بلدة صغيرة مجاورة لبيرنلي. كانت تعمل في ذلك الوقت كفنانة رسم.

“كان سيتم ترحيله يوم الاثنين لأنهم لم يمنحوه حق اللجوء السياسي – أرسلت الحكومة رسالة توضح فيها الوقت الذي يجب أن يتواجد فيه بمطار مانشستر. لذلك تزوجنا يوم السبت، قبل ذلك الموعد بيومين. الله وحده يعلم ما كان سيحدث له لو أجبر على العودة لليبيا”.

كان حسن يعيش حياته مثل أقرانه في العشرينات من العمر، بروح وطيش وحرية الشباب. لكنه لم يكن مستقرًا، إلى أن التقى بكارين. قال ذات مرة:

“لقد كانت صخرتي على أقف عليها منذ لقائنا. لم أكن لأصبح أي شيء لولاها. لقد كانت دائمًا بجواري خلال كل المحن”.

لقد كانت هناك الكثير من المحن. فقد راقبت السلطات حسن عن قرب بسبب الظروف، ولكن صار لديه الآن شريكة. لقد ساعدت كارين، حسن في تعلم اللغة الإنجليزية، الأمر الذي لم يستغرق منه كثيرًا من الوقت. كان يشتري صحيفة الغارديان يوميًا ويقرأها من الغلاف إلى الغلاف، ويسأل زوجته عن كلمات لم يكن يعرفها، ثم يتدرب على صياغتها في جمل.

كانا زوجين شابين مبدعين، حيث شكل حبهما وصداقتهما لبعضهم البعض علاقة استمرت لمدى الحياة.

مولد الساطور

في رحلة إلى لندن عام 1980 مع كارين، اكتشف حسن كشكاَ لبيع الصحف العربية خارج محطة مترو أنفاق إيرلز كورت.

“لفتت نظري مجلة برتقالية اللون اسمها“الجهاد”، تصفحتها، وأدركت أنها تابعة للمعارضة الليبية. كانت تتكون من أربع صفحات تقريباً دون وجود بيانات للاتصال. كنت أود المشاركة برسومي الكاريكاتورية. لحسن الحظ، كانت هناك مجلة مجاورة لها ذات لون أزرق اسمها “الشرق الجديد” تحتوي على نفس المقالات بالضبط، مع وجود بيانات الاتصال. اشتريتهما وعدت إلى بيرنلي، وتواصلت معهم. كان رقم الهاتف الوحيد للتواصل معي لصهراي جاك وإنيد “.

بعدها بأسبوعين، قدما إنيد إلى شقة الزوجين وقالت “اتصل بك رجل فرنسي وترك رقمه”المؤكد أن الرجل لم يكن فرنسيًا – بل كان ليبيًا، وهو الدكتور محمود المغربي، أول رئيس وزراء لليبيا بعد انقلاب القذافي عام 1969.

انضم حسن إلى المعارضة دون أي تردد وبدأ بإرسال رسوم كاريكاتورية عن القذافي وزبانيته، والتي لاقت إعجاب القرّاء وزملائه.

“كان الدكتور محمود المغربي بمثابة معلمي. لقد علمني الصبر… شخص آخر مُلهم كان فاضل المسعودي [صحفي ومعارض ليبي]، والذي علمني الكثير عن الصحافة والسخرية… هناك شخصيات أخرى، لكن هاتين الشخصيتين تركتا أثراً بداخلي”.

عامي 1980 و1985، أنتج رسومًا كاريكاتورية لمجلتي الجهاد و الشرق الجديد، كما بدأ أيضًا بحضور المظاهرات بما في ذلك الحادثة السيئة التي قتلت فيها الشرطية إيفون فليتشر بالرصاص خارج السفارة الليبية في ساحة سانت جيمس بلندن في أبريل 1984.

وكونه الليبي الوحيد الذي ارتاد بيرنلي، كان الساطور قادرًا على العمل سرًا والاندماج في بلدته الجديدة أفضل من أي أجنبي أخر. كان يعي تمامًا حجم المخاطر التي يمثلها عمله له ولأسرته في ليبيا، وكذلك على أسرته في المملكة المتحدة.

عامي 1980 و1987، أبلغا منظمة العفو الدولية عن 25 عملية اغتيال “للكلاب الضالة” على يد فرق الموت الدولية التابعة للديكتاتور. وحذر القذافي المنشقين“إن من مسؤولية الشعب الليبي تصفية الحثالة الذين يشوهون صورة ليبيا في الخارج”. مع ازدياد شعبية أعماله، ظل الساطور لغزًا مجهولاً داخل وخارج الحدود الليبية؛ شخصية غامضة نتجت عن اسم مستعار لامع وإدراك شديد للمخاطر المُحتملة.

المنفى في الثمانينيات

بعد ستة أشهر من إطلاق النار أمام السفارة الليبية في عام 1984، أصبح حسن أبًا لابنته الأولى زهرة. كان يعمل حينها في مطعم كارلو الإيطالي في بلدة كولن. عانق حسن الحياة العائلية في شمال غرب إنجلترا، بينما ازدادت المسافة بينه وبين ليبيا.

لم ينضم إلى أي من الحركات الاخرى المناهضة للنظام، لأنه كان مقتنعًا بأنها عاجزة عن التغيير أو إحداث تغيير جدي في ليبيا. وعوضًا عن ذلك، أسس اسم “الساطور” كصوت مستقل. ومع دخول المعارضة الليبية مرحلة من الركود، بدأ الساطور في نشر أعماله الخاصة التي تنتقد القذافي وأحزاب المعارضة.

“عرفتُ حينها أن رسوم الكاريكاتير كان أداة قوية وكان له تأثيرًا أكبر مما كنت أتخيل”.

كانتا بلدتا بيرنلي وبندل الواقعتان بمقاطعة لانكشاير في يوم من الأيام قلب إنتاج القطن والصناعات الهندسية. وأصبحت أجزاءً من شمال إنجلترا في عهد ثاتشر خلال الثمانينات مقبرة صناعية. عاش المهاجرون الباكستانيون الذين جاءوا لإعادة تشغيل صناعة النسيج خلال السبعينيات والثمانينيات في المنطقة، ولكن كان هناك عزوف عام للاندماج مع المجتمع، وهي مشكلة لا تزال قائمة حتى اليوم. هذا المزيج أدى إلى جعل المنطقة من أكثر المناطق حرمانًا في بريطانيا، رغم أنها محاطة بريف جميل.

لم يتعرض حسن لاعتداءات عنصرية على الإطلاق، لكنه كان يتحدث كثيرًا عن العنصرية المنهجية التي كانت موجودة في ذلك الوقت. فكثيراً ما كان يقوم موظفو الهجرة المستفزين بزيارات مفاجئة، حتى بعد زواجه. وكانت السلطات قبل ذلك تعامله بعدوانية رغم المخاطر الجلية التي كان سيتعرض لها في حال عودته إلى ليبيا. لم تحبطه كل هذه المحاولات الاستفزازية، لتستمر الحياة.

التعليم والاستكشاف الفني

في عام 1991، اجتاز حسن اختبار القيادة، مما فتح أمامه عالمًا من الاحتمالات ومنحه الثقة للعودة إلى الدراسة. التحق بدورة كمبيوتر في كلية نيلسون وكولن.

“كنت في فصل دراسي أمام كمبيوتر من نوع أميغا. كان الجميع يكتب بينما كنت أحدّق في الشاشة دون أن أعرف ما يجب عليّ أن أفعله. لقد وجدت برنامجًا يحوي فرشاة وألوان، لذا بدأت في الرسم”.

هكذا شغل حسن نفسه في الحصص القليلة الأولى. أخبره ويل بارتون الذي كان يعمل في الكلية أنه من الأفضل أن يسجل كطالب فنون. كان حسن في حيرة من أمره، فقد اعتقد أنه سيُطرد من الفصل لعدم اتمامه الواجبات. لكن عوضًا عن ذلك، قدم ويل لحسن خطاب قبول للكلية، وبذلك حصل حسن على منحة من مجلس مقاطعة لانكشاير لمساعدته خلال دراسته.

“كنتُ خائفًا في البداية – لم أكن أعرف ما هو المطلوب مني. أستطيع رسم رسوم كاريكاتورية بسيطة، لكنّ دراسة الفنون الجميلة أمر مختلف”.

لكنه واصل المسير وأصبح متحفزًا أكثر من أي وقت مضى. أنهى مستواه الأول ثم انتقل إلى جامعة برادفورد لدراسة البكالوريوس في الرسم التوضيحي.

بعد ميلاد هنا عام 1993، وهي طفلته الثالثة من زوجته كارين – أخت زهرة وشريف (المولود عام 1988)، صار على عتبة التخرج بعد أن أنهى سنوات دراسته الست في أربع سنوات فقط. قضى وقته في الكلية والجامعة بجوار مبدعين آخرين، ممن أثروا على أسلوبه الفني. ثم بدأ في عام 1996 مسيرته التدريسيّة في كلية نيلسون وكولن.

كان يرسم مساءاً بينما يستمع لعازفين أمثال مايلز ديفيس، وثيلونيوس مونك، وديكستر جوردون، أو بلايند ويل جونسون، وسكيب جيمس، ليضيف حيوية موسيقى الجاز والبلوز من خلال أعماله الفنية.

“ابتعدت عن السخرية وانتقلت إلى الرسم، مستخدمًا موسيقى الأمريكيين السود وتاريخهم الاجتماعي كمصدر إلهام. أحببت موسيقى الجاز بسبب لحنها والظروف التي ابدعتها. لقد تعرفت على تاريخ السود في أمريكا بناءً على معاناتي واضطهادي”.

انضم في عام 2002 إلى الموقع الاجتماعي “ديفيانت آرت” مستخدمًا “Alsature” كاسم مستخدم. كانت أعماله بعيدة عن مواد السخرية التي كان ينتجها في أي مكان آخر. بل كانت مساحة للتجربة وصنع الفن لجمهور مختلف. كانت مساحة للتنفس زاخرة بالألوان والموسيقى وبعيدًا عن المجال السياسي.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عثر حسن على كتاب “قصة البلوز” لبول أوليفر بالقرب من عتبة منزله في برايرفيلد. لقد غير هذا الكتاب حياته. عرّفه تاريخ أوليفر المُصوّر لأكثر الأشكال الموسيقية تأثيرًا في القرن العشرين على فنانين مثل بلايند ويلي جونسون، بلايند ويلي بيب، وسكيب جيمس، وغيرهم ممن ابتكروا صوت دلتا ميسيسيبي. عاد حسن في الزمان؛ توافقت تنقلاته العشوائية بين الأنواع المختلفة من الفن مع أسلوبه غير التقليدي في كل شيء تقريبًا.

أصبحت إنجلترا موطنه الثاني. ولكن دائمًا ما كان يراوده شعور عابر السبيل الذي لا ينتمي إلى هنا، ولا إلى هناك. ساعدته الموسيقى على سد الفجوة بين عقله وقلبه.

العصر الرقمي

ظهرت الإنترنت في مطلع الألفية – وهو تغيير جوهري من شأنه أن يجعل أعمال الساطور متاحة حول العالم. كان يقوم ببعض الرسوم التوضيحية لصالح شركة تطوير برمجيات ومواقع ويب مقرها في بندل تُدعى سب نت (Subnet)، وهنا حصل على عنوان بريده الإلكتروني الأول. في ذلك الوقت، حوالي العام 2000، لم يكن لديه خط إنترنت في المنزل بعد.

“اتصل بي شخص من شركة سب نت وأخبرني أنني تلقيت أول بريد إلكتروني لي بعد أن أنشؤوا موقعًا إلكترونيًا للوحاتي. كان من الدكتور إبراهيم غنيوة، الذي استأذنني في إضافة موقعي إلى libyawatanona.com، وكنت قد وافقت على ذلك”.

قام حسن بعد ذلك بتوصيل خط إنترنت للمنزل، وسرعان ما أدرك الإمكانيات الحقيقية للساطور. كان يقضي ساعات في الاستماع إلى موسيقى الجاز والموسيقى الكلاسيكية بمفرده. كانت هذه الموسيقى رفيقته في ليالي بريطانيا الشتوية الطويلة التي أمضاها أمام الشاشة.

لم يتوقف حسن عن الدراسة. كان يقرأ عن الفنانين ويهتم بشكل خاص بهنري تولوز-لوترك، وبابلو بيكاسو، وجان ميشيل باسكيا، وكيث هارينغ، وجميعهم أثروا في عمله.

بعد انتهاء اليوم التدريسي، يتحول حسن ليصبح الساطور. كان يلتصق بمكتبه ويشاهد محطات الأخبار العربية التي تم التقاطها من مجموعة من أطباق الأقمار الصناعية الضعيفة الموضوعة على جانب المنزل.

أحدث القدرة على مشاهدة القنوات الإخبارية الليبية تطورا في عمل الساطور، حيث أصبح بإمكانه آنذاك أن ينسخ الصوت والفيديو مباشرة من التلفزيون ليتلاعب بهما. كان يشاهد قناة الجماهيرية الليبية التي امكنته من مشاهدة خطابات القذافي المخرفة.

“لقد كانت طريقة فعّالة في معركتي ضده. كنت أتلقى شكاوى من السلطات الليبية على قناتي على اليوتيوب بعدها، لكنها لم تثبطني. كنتُ مُستهدفًا باستمرار، حيث أنني لم أضع حدودًا لنفسي لأتوقف عندها مطلقًا. كان الناس يشكون من أن الساطور قد تجاوز حدود الأخلاق، ويطالبونني بحذف رسومي الكاريكاتورية المهينة للقذافي وعائلته، ولكن بلا جدوى”.

 

في عام 2003، تم إطلاق موقع ليبيا المستقبل – وهو موقع إخباري ليبي مؤيد للديمقراطية يديره حسن الأمين. وقد وفر هذا منصة أخرى للساطور، حيث أصبح الليبيون حول العالم يتابعون أعماله.

في السنوات التي سبقت الثورة الليبية، نشر حسن أعماله عبر الإنترنت على مدونته الخاصة: alsature.wordpress.com. وتمامًا مثلما بدأ في نشر أعماله المطبوعة بشكل مستقل في الثمانينيات، كان هنا يتمتع بالسيطرة التحريرية الكاملة. إلا أنّ هذا كان على نطاق عالمي. وغالبًا ما كانت أعماله مسيئة وقاسية، لدرجة أن وسائل إعلام أخرى مثل ليبيا المستقبل ترفض نشرها على الموقع.

لقد كانت فترة عصيبة على حسن. صارع فيها الاكتئاب ووفاة والده عام 2009 مما دفعه إلى مكان مظلم. وبعج 34 عاماً من تغربه عن ليبيا وموطنه وعائلته، وبعد 34 لم يبدو أن التغيير الذي سلك من أجله هذا الطريق سيحدث قريبا، ولم تتغير المخاطر التي كانت تواجه المعارضين الذين يدخلون ليبيا في عهد القذافي.

وعلى الرغم من كل هذا، كان حسن غزير الإنتاج بفرشاته، سواء عبر أعمال الساطور أو اللوحات التشكيلية.

الثورة

في يناير 2011، اندلعت ثورات الربيع العربي التي اجتاحت شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كانت الشعوب تطالب بالتغيير في البلدان التي كان يحكمها الطغاة لعدة عقود. اندلعت حرب أهلية في ليبيا في شهر فبراير، لتؤدي لتغيير مستقبل البلاد إلى الأبد.

كان الساطور يعمل بمنزله في برايرفيلد منذ اللحظة حالما يعود من التدريس بمقر عمله الجديد بكلية كريفن الموجودة في سكيبتن، إلى أن يخلد للفراش في ساعة مبكرة من الفجر. كان يرسم بينما يتحدث بالهاتف ويشاهد التلفاز ويبحث الإنترنت. كانت مدونته مليئة بالمنشورات والصور والمعلومات التي كان الناس يشاركونه بها. كان يبذل قصارى ليكون عمله كوسيلة إخبارية مؤيدة للثورة، وقد نجح في ذلك، حيث طلبت منه قناة ليبيا الأحرار – التي كانت جديدة آنذاك – للانضمام إليها في الدوحة بقطر والعمل معهم.

كان الساطور مترددًا في ترك وظيفته وزوجته خلفه، إلا أنه كان يرى أن هذه الفرصة بمثابة النداء، وفرصته للانضمام إلى الليبيين الاخرين الذي يتشاركون في التفكير وكذلك فرصة لعرض أعماله. عمل حسن، مثل العديد من العاملين بالقناة، على مدار الساعة لإيصال الأخبار إلى الجماهير حول العالم ممن كانوا يتابعون كفاح ليبيا من أجل الحرية.

قبض على القذافي في أكتوبر 2011 وقُتل في مدينة سرت بينما كان العالم كله يراقب. مات الآن الرجل الذي كان يراقبه من بعيد، الديكتاتور الذي كان موضوع أعماله، ومصدر مشاكله، وسبب تركه لعائلته في ليبيا، وسبب تركه لعائلته في المملكة المتحدة أيضًا.

لم ينتهي عمل الساطور، بل إن حالة الفوضى الجديدة في ليبيا كانت أكثر تطلبًا بسبب التعقيدات السياسية. بدأ في إخراج الرسوم الكاريكاتورية منتقدًا الجهات السياسية الفاعلة من جميع الزوايا. لقد تغير شكل عمله، لكن رسالته لم تتغير – لا أحد يمكنه الهرب من الساطور.

على الرغم من تعهد حسن بالتوقف عن رسم القذافي بمجرد سقوط نظامه، إلا أن منشوراته اليومية استمرت في انتقاد المشهد السياسي المُنهك في ليبيا، وأولئك الذين اختاروا دخوله. بدءًا بأعضاء البرلمان والدبلوماسيين والسياسيين الغربيين، إلى الشخصيات الدينية والصحفية. ومع اشتعال القضايا الاجتماعية والسياسية في جميع أنحاء البلاد، كان الساطور يراقب ذلك كصقر.

شهدت السنوات التي تلت ذلك سلسلة من الأحداث التي مزقت بنغازي إربًا؛ الاعتداء على القنصلية الأمريكية، وسلسلة طويلة من الاغتيالات لنشطاء الحقوق المدنية وضباط الجيش. كان الساطور دائمًا يكرّم الذين سقطوا من خلال فنه المنشور على الإنترنت، معبرًا عن تضامنه مع الأشخاص الذين لقوا مصرعهم مكافحين من أجل الحرية.

اطفأت الدوحة شرارة الإبداع داخل حسن. حاول أن يرسم في غرفته بالفندق الذي كان يعيش فيه، لكن قطر لم تلهمه كثيرًا. كان يريد العودة إلى المملكة المتحدة، لكنّه استسلم للطلبات التي كانت تريد المزيد من أعمال الساطور، وفي الحقيقة، كان من الصعب أن يرفض عرضًا ماليًا كهذا.

اندمج أسلوبه الفني خلال سنواته الأخيرة في المشهد السياسي الليبي المسموم. ولكنها تعتبر كذلك الفترة الذهبية للساطور، حيث كان بإمكان الليبيين مناقشة السياسة ووجهات النظر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بحريّة، مما جعل أعماله سريعة الانتشار وتفاعلية وراهنة. كان يتراسل مع الناس عبر الإنترنت ويحيط نفسه بمن يحترمهم ويثق بهم.

وكان من بين هؤلاء عمر الكدي، وهو كاتب ليبي اعتقد الكثيرون في البداية أنه الساطور.

“لقد كان رجلاً رائعًا وموهوبًا. بدأت في إعطائه أفكارًا لرسومه الكاريكاتورية، وغالبًا ما كان يضع اسمي تحت اسم الساطور. بدأ الكثير من الناس بالاعتقاد أنني كنت هو! أتذكر عندما نشرت اسمي بعد الثورة، وكان رد الساطور حينها: “حسنًا، رائع، سيقتلونك أنت، وليس أنا”. كم أفتقده كثيرًا!”.

في عام 2014، غادر حسن الدوحة بعد ثلاث سنوات وعاد إلى المملكة المتحدة. أصبحت قناة ليبيا الأحرار متحدثة باسم قطر، وهو ما لم يناسب الساطور. واصل إنتاج الأعمال ولكنه كان في حيرة من أمره حول العودة إلى التدريس أو التركيز على شخصية الساطور. بدا الخيار الأخير وكأنه الخيار الأفضل نظرا للحيوية والنشاط المستمرين.

ذهب بعد عام إلى عمان بالأردن للعمل في المحطة الإخبارية الجديدة آنذاك 218TV. لم يرغب في ترك عائلته وراء ظهره للمرة الثانية والعودة إلى الشرق الأوسط، على الرغم من أنّ عمان وفرت له أكثر مما كانت توفره الدوحة. لكنه مرض أثناء عمله هناك واضطر للعودة إلى المملكة المتحدة بعدها.

توفي في 12 اغسطس عام 2016 عن عمر يناهز 60 عامًا.